(الإبل علي بلاط قيصر)
في كتابها ( الإبل علي بلاط قيصر) تتحدث المؤلفة الألمانية (زيجريد هونكة) عن تأثير العرب والمسلمين في العنصر الالماني- بخاصة- بعد أن تحدثت في كتابها الذائع الصيت (شمس الله تسطع علي الغرب) عن تأثير العرب والمسلمين في الحضارة الاوروبية كلها بصفة عامة!!

وحسنا فعلت الكاتبة الكبيرة، فالعرب والمسلمون أحوج ما يكونون الان إلي إبراز دور حضارتهم في أوروبا والعالم علي وجه الاجمال- من جهة- وإلي إبراز هذا الدور في كل بلدأوروبي علي حدة ، بعد أن قطعت الرموز الكبري الغربية كل وشائج الوفاء والعلاقات الإنسانية مع المسلمين والعرب ، وانحازت انحيازاً شبه كامل للماسونية واللادينية والصهيونية العنصرية .
ولأن كاتبتنا الألمانية (زيجريد هونكة) أعطتنا هذه الهدية من واقع أنها ألمانية متعاطفة مع الحق والإسلام عقيدة وحضارة فنحن نطالب جميع المنصفين من أبناء الحضارة الأوروبية أن يكتب كل منهم كتاباً عن تأثير حضارة العرب والإسلام في بلده ، معتمداً علي الموضوعية وعلي المصادر الإسلامية الأساسية والمصادر العالمية غير اللاهوتية .
إن شمس الإسلام الحضارية قد سطعت علي العالم كله لعشرة قرون كما ذكر الكاتب العالمي ول ديورانت في موسوعته قصة الحضارة .
علمناهم الإنسانية فآثروا الحقد والصدام !
وحتي في ساعات الحروب كانت حضارتنا تُعلِّم الآخرين كيف يختلفون ويظلون مع اختلافهم آدميين .. وتُعلِّمهم كيف يعرفون معني التقدم الإنساني الصحيح المعتمد علي الحق والحوار والتعارف والتكامل .
لكن الإسلام الذي يرفضون استدعاء قيمه الحضارية والتعرف الموضوعي علي دروس صياغته للحياة،والذي ظل يحكم حضارات العالم وظل أبناؤه أساتذة العالم لعشرة قرون كما يقول (ول ديورانت) ، هذا الإسلام قدَّم تجربة حضارية تليق بإنسانية الإنسان، وتعتمد علي الحق ، حتي وهو في أشدّ حالات تفوقه المادي وسيطرته علي مقاليد القوة ، وعلي أبناء الحضارة الأوروبية أن يستوعبوا دروسها، فلعلهم يعودون بشراً من البشر، لهم قيم عليا وأخلاق سامية .
///
لقد فتح العرب أسبانيا سنة 93هـ (1711م) وظلوا ثمانية قرون يحكمونها بروح الإسلام، والحكم المتسامح الذي لا مثيل له ، فتعايشت حضارة الإسلام مع دياناتهم، وأقامت بالاتفاق السلمي، بل وبالتعاون في مختلف الوجوه، أكثر نظم الحكم ثراءً وازدهاراً في القارة الاوروبية.
فلما انتهت القرون الثمانية، وضعف العرب في أسبانيا، وتمكنت منهم القوي النصرانية كان جزاؤهم أبشع جزاء، ففي مقابل التسامح الإسلامي الذي قدّموه لمدة ثمانية قرون جاءت محاكم التفتيش الدموية مع الغزاة المسيحين وأحرقت أتباع محمد صلي الله عليه وسلم بالآلاف كما تقول الكاتبة المنصفة (زيجريد هونكة) .
///
هكذا كنا نحن دائماً.. وهكذا كانوا هم دائماً. لدرجة أننا شعرنا عبر تجاربنا التاريخية معهم أننا أمام وحوش وذئاب بشرية، وشعرنا بضرورة تعليم هذه الوحوش كيف تتحول إلي الطبيعة الأدمية الأخلاقية وكيف تعرف الأواصر الإنسانية التي تدفع إلي الوفاء والرحمة .
ومن هنا، وعلاجاً لهؤلاء الذين فقدوا الإنسانية، بدأنا نعلمهم في لقاءاتنا السلمية والحربية معهم روح الفروسية وآدابها السامية .
وتضع (زيجريد هونكة) عنوناً رائعاً لهذه الرسالة التي ألزم المسلون أنفسهم بها حتي جعلوا أقسي القلوب التي تمارس وسائل التعذيب والقتل في محاكم التفتيش تشعر بالألم ويتحرك فيها الضمير ، ولنتأمل في هذا العنوان الذي وضعته (هونكة) رمزاً لروح الفروسية التي عالج بها المسلمون روح التوحش الغربية .. إنه عنوان :
الفروسية العربية تجعل قساوة المسيحية تندي خجلاً !
لقد علمهم المسلمون أن الانتماء للعقيدة لا يجعل الإنسان يتعامل مع الأخرين بهذه الروح الوحشية .
إن روح الفروسية- مع الإنتماء للعقيدة- هي التي أصبحت الأن تحدد الآن بتأثير الحضارة الإسلامية طبيعة الجهات في اللقاء بين الشرق والغرب، وهي كما تقول (هونكة) : ( تلك الروح التي تتناقض بشكل واضح مع الروح المسيحية التي تتسم بالتعصب والأفق الضيق .
///
وكدرس تعليمي (فروسيّ) لقنه المسلمون للروح الصليبية- بالإضافة إلي درس أسبانيا الإسلامية أشرنا اليه سلفاً- كانت الحروب الصليبية في الشرق مجالاً ثانياً لتعليم الأوربيين روح الفروسية ، فإن الحروب الصليبية بما اشتملت عليه من معارك مشتركة وما نتج عن ذلك بالضرورة من صلات وثيقة علي جميع المستويات في الأراضي المقدسة هي التي بلورت الفروسية الأوروبية- كما تقول هونكة- فقد أسهمت تلك الحروب في تهذيب أنماط حياة الفروسية عن طريق التأثير الإسلامي الأخلاقي في الاوربيين، وتلقينهم دروساً في الإنسانية، وفي أعلي صور الفروسية .
دروس عملية في الفروسية الإسلامية
وبينما أصدر(بيلا جيوس) أوامره عند الإستيلاء علي قلعة دمياط(616-618هـ 1219- 1221م) بإغراق السكان العرب في حمام دم حقيقي ، إلا أن السلطان (الكامل) قام بعدها بوقت قصير، وبغض النظر عن ذلك الحدث، بإنقاذ الجيش النصراني بعد أن هزمه عند القاهرة، حيث بقي جيش النصراني عدة أيام يعاني من الجوع الشديد، وذلك أن السلطان الكامل استمر يرسل اليه طوال أربعة أيام (3000رغيف من الخبز) كل يوم غير ذلك من المواد الغذائية، وبذلك أبقي علي ألدّ أعدائه وأعداء بلاده حين وقعوا بين يديه، ومنعهم من التضور جوعاً، وذلك بدلاً من يردّ علي الشئ بمثله !!!!!!!!!.
وكان هذا درساً من دروس الفروسية، وقد أحدث دوياً هائلاً في أوروبا كلها، لدرجة أن (أوليفرس) المكلف بالدعوة للحملة الصليبية كتب خطاباً في عام 1221م إلي السلطان المسلم يقول له فيه : ( منذ العصور القديمة لم يسمع المرء عن مثال شبيه بذلك الكرم من جانب أعداء كثيرين تجاه أسراهم، ومنذ أن وضعنا الله بين يديك، لم نعرفك كطاغية أو حاكم، ولكن كأب لا يفعل الا كل ما هو طيب، آخذاً بيدنا ونحن نواجه الأخطار.. كذلك فإن ذلك العمل الشهم كان يصعب إدراكه بالنسبة إلي رهبان كنيسة الروم في كولون : إذ من ذا الذي يمكنه أن يتشكك في أن ذلك الكرم والودّ وطيبة القلب مستمدة من الله؟!
ذلك أن الرجال الذين قتلناآبائهم وأبناءهم وبناتهم وأشقاءهم وشقيقاتهم، بعد أن أذقناهم مرَّ العذاب، قد قاموا هم أنفسهم بإمدادنا بطعامهم الخاص بهم، ونحن مشرفون علي الموت جوعاً، وعاملونا بمختلف أنواع الكرم علي الرغم من أننا كنا نخضع لسيطرتهم وسطوتهم !!) .
ونقف عندلقطة أخري تمثل درساً آخر من دروس الفروسية الإسلامية:
فعندما دخل الصليبيون بيت المقدس يوم الجمعة 15 يوليو 1099م(492هـ) عقدوا أول اجتماع لـ (ديوان المشورة العسكرية) قرروا فيه قتل كل مسلم بقي حياً فيها، واستمر تنفيذ الإعدام الصليبي أسبوعاً كاملاً سجله المؤرخون النصاري بقولهم: ( إن الدماء وصلت في رواق المسجد حتي الركب!!) ،ويقول مؤرخ نصراني آخر: ( لم يوفِّر الصليبيون أحداً من سيفهم، لا من الرجال ولا من النساء والعجزةولا من الأطفال، وقد ظن المسلمون أن مسجد عمر يحميهم من الموت ، ولكن ظنهم خاب؛ إذ أن الصليبين لحقوا بهم خيالة ومشاة ودخلوا المسجد المذكور وأبادوا كل من وجدوه بحد السيف!!) .
ويقول كاتب نصراني آخر: ( لم يميز النصاري في إبادتهم بين رجل وامرأة، وبين صغير وكبير، وراحوا يتباهون بأنهم قتلوا سبعين ألفاً من المسلمين، وأنهم لم يغمدوا سيوفهم قبل أن تخمد نار الانتقام المتأججة في قلوبهم!!) .
فماذا فعل المسلمون في مقابل هذه الوحشية الأوروبية الصليبية ؟ وكيف تألقت الفروسية الإسلامية ؟ .
إن بطلنا العظيم – صلاح الدين الأيوبي الذي أعاد القدس إلي الإسلام بعد تسعين عاماً من الإحتلال الصليبي (27 رجب 583هـ 12 أكتوبر1187م) كان واعياً بهذه الخلفية وبهذه الجرائم ، وكانت لديه الدوافع القوية للثأر والانتقام إلا أن فروسيته الإسلامية وقيمه التي تعلمها من رسول الله صلي الله عليه وسلم منعته من أن يقاوم الوحشية بوحشية، بل الأغرب من ذلك أنه استعاد القدس دون أن ينتهك حرمة كنيسة واحدة ود














